محمد علي الحسن
161
المنار في علوم القرآن
المبحث الثالث الجمع في عهد عثمان رضي اللّه عنه لئن كان جمع أبي بكر للقرآن خوفا من ضياع المكتوب بموت حفظة القرآن ، فإن جمع عثمان بن عفان كان خوفا من اختلاف الأمصار في وجوه القراءات ، حين قرأه كل مصر بقراءة تختلف عن قراءة مصر آخر ، وأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا ، وفي قصة حذيفة بن اليمان خير بيان لأسباب الجمع أو النسخ بتعبير أصح . روى الإمام البخاري بسنده عن ابن شهاب ، أن أنس بن مالك حدثه ، أن حذيفة ابن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة : أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن ، فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق « 1 » . 1 - يتضح مما تقدم أن سبب الجمع والداعي إلى نسخ المصحف ، هو منع التماري والاختلاف في القراءات ، بسبب تفرق الصحابة في الأمصار ، فقد كان كل فريق
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في باب نزل القرآن بلغة قريش ح ( 3506 ) وباب جمع القرآن ح ( 4987 ) ، والترمذي ( 3104 ) . وأذربيجان التي فتحت قبل أربعة عشر قرنا كانت سببا في جمع القرآن .